• الموقع : موقع الخطيب الحسيني سماحة الشيخ فؤاد دبوس العاملي .
        • القسم الرئيسي : قراءة في كلمات الإمام الحسين .
              • القسم الفرعي : قراءة في كلمات الإمام الحسين .
                    • الموضوع : الإمام الحسين عليه السلام والقرآن الكريم .

الإمام الحسين عليه السلام والقرآن الكريم

 

روي انه أتى العباس بن علي (ع) حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد ، فقال له : ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلى لربنا وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار . معالم المدرستين ج 3 - ص 89

مقدمة .

القرآن هو القطب الأكبر الذي تدور عليه رحى الإسلام ، والركن الأعظم الذي قام عليه عرشه ، وثبتت به سماؤه ، والنور المبين الذي سطع في الأرض فاستضاءت به ظلمات الأفئدة .

وهو الكتاب الذي خاطب الله به العقل والقلب والوجدان ، وقد وصفه الله الباري عز وجل بأنه كتاب حكيم وكريم ومجيد وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلا يوجد أبلغ من بلاغته ، ولا أرجح من فصاحته ولا أكثر من إفادته ، ولا ألذَّ من تلاوته ولنعم ما قيل :

جميع الكتب يدرك من قراها       ملالٌ أو فتور أو سآمة

سوى هذا الكتاب فإن فيه         بدايع لا تمل إلى القيامة

حقيقة القرآن

إن حقيقة القرآن هي معناه وليست ألفاظه فحسب، فعندما يقترب الإنسان من القرآن فإنه يتحوّل بذاته إلى قرآن معنوي، ولذا ورد في تفسير قوله تعالى:( بل هو ءايات بيّنت في صدور الذين أوتوا العلم ) أنهم الأئمة(عليهم السلام) فعن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال لأبي بصير: «أما والله يا أبا محمد ما قال ما بين دفتي المصحف، فقال أبو بصير: من هم جُعلت فداك؟ فقال(عليه السلام): منْ عسى أن يكون غيرنا»

وبمراجعة القرآن الكريم نجد أن الكلام ينقسم إلى قسمين:

1 - الكلام اللّفظي وهو الأصوات والحروف.

2 - الكلام الخارجي وهو الموجودات الخارجية، قال تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمت ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمت ربي ولو جئنا بمثله مدداً ).

ومن هنا سمي المسيح «كلمة الله» قال تعالى: )إذ قالت الملائكة يمريم إنّ الله يبشّرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مربم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ) .

وعليه فصح أن يقال: إن أهل البيت(عليهم السلام) هم كلمة الله تعالى كالقرآن الكريم الذي هو كلمة الله اللفظية فهم(عليهم السلام) القرآن الحقيقي، ففي نهج البلاغة عن الإمام علي(عليه السلام) أنه قال: «.. وهذا القرآن هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال».

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) أنه قال: «إنّ الكتاب لم ينطق ولا ينطق ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب».

وعن الإمام علي(عليه السلام) أنه قال في معركة صفين: «أنا كلام الله الناطق».

يقول الشاعر:     ساووا كتاب الله إلا أنه *** هو صامت وهم الكتاب الناطق

بين القرآن وأهل البيت (ع) .

ما دام القرآن الصامت والناطق متلازمان ومتكافئان ولا ينفك أحدهما عن الآخر فعند ثبوت وصف كمالي لأحدهما يُحكم بثبوت ذلك الوصف للآخر بالتلازم، ومن هذه الأوصاف:

أولاً: إنّ القرآن الصامت والناطق هما حبل الله الذي يحصل به النجاة، وهو ما عبّر عنه النبي(صلى الله عليه وآله) بقوله وهو: «إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

 والثقلين من الثقل - بالفتح - وهو الشيء النفيس والثقيل الذي يصاحبه المسافر معه، فكأن النبي(صلى الله عليه وآله) لما شارف على السفر إلى عالم الآخر جعل الكتاب والعترة وهما أنفس شيء لديه وصية لدى المسلمين، ولذلك فقد قال: «إني تارك...» ويحتمل أن يكون المقصود من التعبير بالثقلين حو أن العمل بهما والإنقياد لهما والمحافظة عليهما ثقيل على النفوس».

 وقد أشار(صلى الله عليه وآله) إلى ضرورة التمسك بهما للنجاة باعتبارهما حبل الله المتين فكما أن ا لإنسان إذا كان في قعر بئر فإنه يحتاج إلى حبل للصعود به إلى الأعلى كذلك لابد لنا من التمسك بهما للصعود إلى الأعلى والنجاة. وهو ما يستبطن ضرورة العمل بهما معاً، فإن النجاة من البئر لا تحصل بالإعتقاد بأن الحبل ينجي بل لا بد من التمسك به فعلاً.

كما أن حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يقل إنهما حبلان، بل قال: «حبل» واحد، إلا أنه تارة يتجسد بالقرآن الصامت وأخرى بالقرآن الناطق، وبتعبير آخر تارة يكون حبلاً لفظياً وأخرى حبلاً خارجياً.

فعن ابن عباس قال: كنا عند النبي(صلى الله عليه وآله) إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله سمعتك تقول «واعتصموا بحبل الله» فما حبل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبي(صلى الله عليه وآله) يده في يد علي(عليه السلام) وقال: تمسّكوا بهذا هو حبل الله المتين».

كما أن «حديث الثقلين» يدل على التلازم الأبدي بين القرآن وأهل البيت(عليهم السلام) وعلى عصمتهم، وبقائهم إلى يوم القيامة إلى غير ذك مما سنذكره في العناوين التالية.

ثانياً: إن مرجعية المسلمين - بعد رسول الله (ص) - تتمثل بالقرآن الكريم والأئمة(عليهم السلام) فكما أن القرآن الصامت يحتوي على كل ما تحتاجه البشرية إلى يوم القيامة، كذلك الحال في القرآن الناطق، قال تعالى: (هذا كتبٌ أنزلنه مباركٌ فاتبعوه واتّقوا لعلكم تُرحمون ) .

وقال تعالى:  (ولقد جئنهم بكتب فصّلنه على علم هدىً ورحمة لقوم يؤمنون ).

ثالثاً: لا يمكن للناس أن يكتفوا بالقرآن الصامت وحده لا لنقص فيه أو تحريف بل لأن فيه المحكم والمتشابه واللطائف والرموز، ومن ثمّ صارت كل فرقة تأخذ من القران ما يناسبها، فالمجسمة اعتمدوا على القرآن، ومن خالفهم اعتمدوا على القرآن، ومن خالفهم اعتمد على القرآن أيضاً والمُجبّرة استندوا إلى القرآن، ومن خالفهم استند إليه أيضاً ولذلك نهى الإمام علي عبد الله بن عباس عن المجادلة بالقرآن فقال له: «لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمّال ذو وجوه».

فلا بد من الرجوع في تفسيره إلى أهله وترجمانه وكما قال الإمام علي(عليه السلام): «هذا القرآن هو خط مستور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان).

وعن أحدهما(عليه السلام) في الآية أنه قال: «فرسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علمه الله عزّ وجل جميع ما أُنزِل عليه من التزيل والتأويل وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله، والأوصياء من بعده يعلمونه كلّه».

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأيله».

رابعاً: إنّ القرآن الصامت والناطق مستمران في وجودهما إلى يوم القيامة وهو محفوظ من التبديل والتحريف فإن الإمامة مستمرة كذلك، وهي متمثلة في هذا العصر بالإمام المهدي(عليه السلام)، وكما أن القرآن الصامت لكل العصور فإن القرآن الناطق كذلك وهذا دليل على استمرار الإمامة إلى يوم القيامة.

خامساً: كما أن للقرآن الصامت تأثير في شفاء الأمراض، وقضاء الحاجات، والنجاة من الكربات، كما في قوله تعالى: ( ولو أن قرءاناً سُيِّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كُلِّم به الموتى بل لله الأمر جميعاً ).

فإن للقرآن الناطق تأثيراً كذلك فعن الإمام الرضا(عليه السلام) أنه قال: «.. وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تُسيّر الجبال وتُقطّع به البلدان ويُحيى به الموتى».

سادساً : كما أن للقرآن الصامت دوراً في هداية الناس كما في قوله تعالى:  )إنّ هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم) فإن للقرآن الناطق دوراً كذلك قال تعالى:  )وجعلناهم أئمةً يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وكانوا لنا عبدين ).

سابعاً: إنّ الكتاب الناطق ورث الكتاب الصامت في كل شيء، والمراد من إرث الكتاب هو انتقال القرآن إلى الوارث، فبما أن الحقائق والمعارف والعقائد والأخلاق والحكم وغير ذلك موجودة في الكتاب الصامت فقد ورثها القرآن الناطق.

ولذا ورد في تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير). عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال:«...وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تُسيّر الجبال وتُقطّع به البلدان وتُحيى به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء». إن الله يقول:  )وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) ثم قال: ( ثم أورثنا...) فنحن الذين اصطفانا الله عزّ وجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء.

ثامناً: إنّ الكتاب الناطق مطابق للكتاب الصامت. فعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «لا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، إنّا عن الله وعن الرسول نتحدّث، ولا نقول: قال فلان وفلان. فتتناقض أقوالنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا. وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا: أنت أعلم وما جئت به. فإن لكلامنا حقيقة وعليه نوراً فما لا حقيقة له ولا نور عليه فذلك قول الشيطان».

تاسعاً : كما هُجر القرآن الصامت - بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) - فقد هُجر القرآن الناطق، ولذلك فإنهما سيأتيان يوم القيامة يشتكيان بين يدي الله تعالى على الناس الذين هجروا اتّباعهما والإهتداء بنورهم، وخصوصاً أولئك الذين عطلوا دورهما أو شكّكوا فيهما، وطعنوا وحرّفوا ومزّقوا وفصلوا بينهما، وها هي شكاية الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) لله تعالى (وقال الرّسول يرب إنّ قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا ).

وفي زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) نقرأ: «لقد أصبح كتاب الله مهجوراً» .

علاقة الحسين بالقرآن الكريم .

مع أن أهل البيت (ع) هم حقيقة القرآن المتجسدة في الأفعال ، ومع ذلك فإنهم لم يتركوا هذا الكتاب السماوي أبدا ، بل كانوا على تواصل دائم معه قراءة وتفسيراً وتوجيهاً وتعليما ، باعتبار أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ، وهل هناك أعظم وأفضل من أن يتحدث العبد مع ربه ، لا بكلام يخترعه العبد من عند نفسه ، بل يحدث الله تعالى ويتكلم معه بكلامه جل وعلا ، وإذا استشعر المرء حقيقة هذا المعنى فإنه لا شك أنه يأنس أنساً لا حدود له ، ، وهذا ما نراه في الإمام الحسين (ع) الذي يعلمنا في كربلاء كيف نحافظ على هذا الكتاب المقدس ،حتى في أصعب اللحظات ، يعلمنا كيف نتمسك به ولو كنا في آخر لحظات حياتنا ، وذلك حينما قال لأخيه العباس :  ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلى لربنا وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار . معالم المدرستين ج 3 - ص 89

فتأمل كلمة الحسين بشأن القرآن ، يريد أن يؤخر القتال لليلة رغبة في تلاوة كتاب الله التي كان يحبها ويعشقها واعتاد عليها ، نعم اعتاد الحسين أن يناجي ربه بكلامه تعالى ، وهذا درس لكل المسلمين كي يعودوا إلى إسلامهم وإلى رشدهم ،ليعودوا إلى هذا القرآن الذي هجروا روحه ومضمونه وإن كانوا أحيوا شكله ومظهره ونمقوا حروفه وغلافه ، يريد الحسين أن يعلمنا كيف ننسج علاقة حب مع كلام الله سبحانه ، كيف نوطن أنفسنا على الإرتباط بالله من خلال كتابه ، يعلمنا كيف نستغل الساعات والدقائق في طاعة الله حتى وإن كانت قليلة ، لأن المر لا يعرف متى يحين أجله  فليلتمس دائماً أماكن طاعة الله تعالى إذ لعل المنية توافيه فيكون قد مات على طاعته سبحانه وما أعظمها من نعمة . نعم لقد بلغ عشق الحسين لكتاب الله تعالى مرحلة رفيعة جداً من الإخلاص وهذا درس آخر من كلمته (ع) ، أن يكون الهدف من أعمالنا هو القرب منه تعالى ، وما أشرفها من منزلة.

الحسين يقرأ القرآن بعد شهادته .

إن ارتباط الحسين (ع) بالقرآن ومحبته لتلاوة كتاب الله تعالى لم تتوقف عند شهادته ، بل إن الله تعالى أكرمه بأن جعله يقرأ القرآن وهو على رأس الرمح ، وهذه المسألة تتعلق بالجانب الإعجازي ولا يمكن التأسي بها ، وإنما نذكرها كي نتعرف أكثر على عظمة هذا الإمام الغريب والمظلوم ممن ناحية ، ولنكتشف أيضاً مستوى الإنحراف والدناءة والخسة التي كان عليها الخط الأموي ، الذين لم يتأثروا بالحجج التي أقامها عليهم الحسين (ع) قبل وفاته ، وكذلك لم يتأثروا بهذه الحوادث الغريبة التي والمعاجز الفريدة التي حصلت أمام أعينهم فما زادتهم إلا عناداً وجحوداً ، فبدل أن تردعهم هذه الأحداث عن غيهم وتعيدهم إلى رشدهم ، زادت من عنادهم وضلالهم ، فكانوا مصداقاً لقوله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) .

ومن الروايات التي ذكرت أن رأس الحسين قرأ من كتاب الله تعالى ما روي عن المنهال بن عمرو ، قال : أنا والله رأيت رأس الحسين صلوات الله عليه على قناة يقرأ القرآن بلسان ذلق ذرب يقرأ سورة الكهف حتى بلغ : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا )

فقال رجل : ورأسك - والله - أعجب يا ابن رسول الله من العجب . الثاقب في المناقب ص 333

وعنه ، قال : أدخل رأس الحسين صلوات الله عليه دمشق على قناة ، فمر برجل يقرأ سورة الكهف وقد بلغ هذه الآية ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) فأنطق الله تعالى الرأس ، فقال : أمري أعجب من أمر أصحاب الكهف والرقيم . الثاقب في المناقب ص 333


  • المصدر : http://www.sh-fouad.com/subject.php?id=257
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 06 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2014 / 08 / 28